القصيدة التائية لابن تيمية

    شاطر
    avatar
    ayoub-islam
    صاحب منتدى نور الاسلام
    صاحب منتدى نور الاسلام

    ذكر عدد الرسائل : 694
    البلد : المغرب
    الوظيفة : التجارة
    المزاج : مشغول
    اسم الدولة :
    تاريخ التسجيل : 19/08/2007

    القصيدة التائية لابن تيمية

    مُساهمة من طرف ayoub-islam في الجمعة 28 سبتمبر 2007 - 8:40

    سأل أحد علماء الذميين شيخ الإسلام عن القدر فقال :

    أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجة

    إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم *** و لم يرضه منى فما وجه حيلتي

    دعانى و سد الباب عنى فهل الى *** دخولى سبيل بينوا لى قضيتي

    قضى بضلالى ثم قال إرض بالقضا *** فما أنا راض بالذى فيه شقوتي

    فإن كنت بالمقضى يا قوم راضيا *** فربى لا يرضى بشؤم بليتي

    فهل لى رضا ماليس يرضاه سيدى *** فقد حرت دلونى على كشف حيرتي

    إذا شاء ربى الكفر منى مشيئة *** فهل أنا عاص فى إتباع المشيئة

    و هل لى إختيار أن أخالف حكمه *** فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي


    فأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد بن تيمية مرتجلا :

    الحمد الله رب العالمين...

    سؤالك يا هذا سؤال معاند*** مخاصم رب العرش بارى البرية

    فهذا سؤال خاصم الملأ العلا *** قديما به إبليس أصل البلية

    و من يك خصما للمهيمن يرجعن *** على أم رأس هاويا فى الحفيرة

    ويدعى خصوم الله يوم معادهم ***الى النار طرا معشر القدرية

    سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا *** به الله أو مارواد به للشريعة

    وأصل ضلال الخلق من كل فرقة *** هو الخوض في فعل الإله بعلة

    فإنهموا لم يفهموا حكمة له *** فصاروا على نوع من الجاهلية

    فإن جميع الكون أوجب فعله *** مشيئة رب الخلق بارى الخليقة

    وذات إله الخلق و اجبة بما *** لها من صفات و اجبات قديمة

    مشيئته مع علمه ثم قدرة *** لوازم ذات الله قاضي القضية

    وإبداعه ما شاء من مبدعاته *** بها حكمة فيه و أنواع رحمة

    ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة *** من المنكري آياته المستقيمة

    بل الحق أن الحكم لله و حده *** له الخلق و الأمر الذي في الشريعة

    هو الملك المحمود فى كل حالة *** له الملك من غير إنتقاص بشركة

    فما شاء مولانا إلا ***له فإنه يكون و مالا لا يكون بحيلة

    وقدرته لا نقص فيها و حكمه *** يعم فلا تخصيص فى ذي القضية أريد

    بذا أن الحوادث كلها *** بقدرته كانت و محض المشيئة

    و ماكنى فى كل ماقد أراده *** له الحمد حمدا يعتلى كل مدحة

    فإن له فى الخلق رحمته سرت *** و من حكم فوق العقول الحكيمة

    أمورا يحار العقل فيها إذا أرى *** من الحكم العليا و كل عجيبة

    فنؤمن أن الله عز بقدرة *** و خلق و إبرام لحكم المشيئة

    فنثبت هذا كله لا لهنا *** و نثبت مافى ذاك من كل حكمة

    وهذا مقام طالما عجز الأولى *** نفوه و كروا راجعين بحيرة

    وتحقيق ما فيه بتبيين غوره *** و تحرير حق الحق فى ذي الحقيقة

    هو المطلب الأقصى لوراد بحره *** و ذا عسر في نظم هذى القصيدة

    لحاجته الى بيان محقق *** لأوصاف مولانا الإله الكريمة

    وأسمائه الحسنى و أحكام دينه *** و أفعاله في كل هذى الخليقة

    وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا *** و إلهامه للخلق أفضل نعمة

    وقد قيل فى هذا و خط كتابه *** بيان شفاء للنفوس السقيمة

    فقولك لم قد شاء مثل سؤال من *** يقول فلم قد كان فى الأزلية

    وذاك سؤال يبطل العقل و جهه *** و تحريمه قد جاء فى كل شرعة

    و فى الكون نخصيص كثير يدل من *** له نوع عقل أنه بإرادة

    وإصداره عن و احد بعد و احد *** أو القول بالتجويز رمية حيرة

    و لا ريب فى تعليق كل مسبب *** بما قبله من علة موجبية

    بل الشأن فى الأسباب أسباب ما ترى *** و إصدارها عن حكم محض المشيئة

    وقولك لم شاء الاله هو الذي *** أزل عقول الخلق فى قعر حفرة

    فإن المجوس القائلين بخالق *** لنفع و رب مبدع للمضرة

    سؤالهم عن علة السر أو قعت *** أوائلهم فى شبهة الثنوية

    و أن ملاحيد الفلاسفة الأولى *** يقولون بالفعل القديم لعلة

    بغوا علة للكون بعد إنعدامه *** فلم يجدوا ذاكم فضلوا بضلة

    وأن مبادى الشر فى كل أمة *** ذوى ملة ميمونة نبوية

    بخوضهمو فى ذاكم صار شركهم *** جاء دروس البينات بفترة

    ويكفيك نقضا أن ما قد سألته *** من العذر مردود لدى كل فطرة

    فأنت تعيب الطاعنين جميعهم *** عليك و ترميهم بكل مذمة

    وتنحل من و الاك صفو مودة *** و تبغض من ناواك من كل فرقة

    وحالهم فى كل قول و فعلة ***كحالك يا هذا بأرجح حجة

    وهبك كففت اللوم عن كل كافر *** و كل غوى خارج عن محجة

    فيلزمك الاعراض عن كل ظالم *** على الناس فى نفس مال وحرمة

    و لا تغضبن يوما على سافك دما *** و لا سارق مالا لصاحب فاقة

    ولا شاتم عرضا مصونا و إن علا *** و لا ناكح فرجا على و جه غية

    ولا قاطع للناس نهج سبيلهم *** و لا مفسد فى الأرض فى كل و جهة

    ولا شاهد بالزور إفكا و فرية *** و لا قاذف للمحصنات بزنية

    ولا مهلك للحرث و النسل عامدا *** و لا حاكم للعالمين برشوة

    وكف لسان اللوم عن كل مفسد *** و لا تأخدن ذا جرمة بعقوبة

    و سهل سبيل الكاذبين تعمدا ***على ربهم من كل جاء بفرية

    وإن قصدوا إضلاك من يستجيبهم *** بروم فساد النوع ثم الرياسة

    و جادل عن الملعون فرعون إذ طغى *** فأغرق فى أليم إنتقاما بغضبة

    وكل كفور مشرك بإلهه *** و آخر طاغ كافر بنبوة

    كعاد و نمروذ و قوم لصالح *** و قوم لنوح ثم أصحاب الأئكة

    وخاصم لموسى ثم سائر من أتى *** من الأنبياء محييا للشريعة

    على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا *** و نالوا من المعاصى بليغ العقوبة

    و إلا فكل الخلق فى كل لفظة *** و لحظة عين أو تحرك شعرة

    وبطشة كف أو تخطى قديمة *** و كل حراك بل و كل سكينة

    همو تحت أقدار الإله و حكمه *** كما أنت فيما قد أتيت بحجة

    وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل *** فعال ردى طردا لهذى المقيسة

    فهل يمكن رفع الملام جميعه ***عن الناس طرا عند كل قبيحة

    و ترك عقوبات الذين قد إعتدوا *** و ترك الورى الإنصاف بين الرعية

    فلا تضمنن نفس و مال بمثله *** و لا يعقبن عاد بمثل الجريمة

    و هل فى عقول الناس أو فى طباعهم *** قبول لقول النذل ما و جه حيلتى

    و يكفيك ما بجسم نقضا بن آدم صبى *** و مجنون و كل بهيمة

    من الألم المقضى فى غير حيلة*** و فيما يشاء الله أكمل حكمة

    إذا كان فى هذا له حكمة فما *** يظن بخلق الفعل ثم العقوبة

    وكيف و من هذا عذاب مولد *** عن الفعل فعل العبد عند الطبيعة

    كآكل سم أوجب الموت أكله *** وكل بتقدير لرب البرية

    فكفرك يا هذا كسم أكلته *** و تعذيب نار مثل جرعة غصة

    ألست ترى فى هذا الدار من جنى *** يعاقب إما بالقضا أو بشرعة

    ولا عذر للجاني بتقدير خالق *** كذلك في الأخرى بلا مثنوية

    و تقدير رب الخلق للذنب موجب *** لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة

    و ما كان من جنس المتاب لرفعه ***عواقب أفعال العباد الخبيثة

    كخير به تمحى الذنوب و دعوة *** تجاب من الجاني و رب شفاعة

    وقول حليف الشر إنى مقدر *** علي كقول الذئب هذى طبيعتى

    وتقديره للفعل يجلب نقمة *** كتقديره الأشياء طرا بعلة

    فهل ينفعن عذر الملوم بأنه *** كذا طبعه أم هل يقال لعثرة

    أم الذم و التعذيب أوكد للذي *** طبيعته فعل الشرور الشنيعة

    فإن كنت ترجوا أن تجاب بما عسى *** ينجيك من نار الإله العظيمة

    فدونك رب الخلق فاقصده ضارعا *** مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة

    و ذلل قياد النفس للحق و اسمعن*** و لا تعرضن عن فكرة مستقيمة

    و ما بان من حق فلا تتركنه *** و لا تعص من يدعو لأقوم شرعة

    ودع دين ذا العادات لا تتبعنه *** و عج عن سبيل الأمة الغضبية

    و من ضل عن حق فلا تقفونه *** و زن ما عليه الناس بالمعدلية

    هنالك تبدو طالعات من الهدى *** تبشر من قد جاء بالحنيفية

    بملة إبراهيم ذاك إمامنا *** و دين رسول الله خير البرية

    فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذى ***به جاءت الرسل الكرام السجية

    وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي *** حوى كل خير في عموم الرسالة

    وأخبر عن رب العباد بأن من *** غدا عنه فى الأخرى بأقبح خيبة

    فهذى دلالات العباد لحائر *** و أما هداه فهو فعل الربوبة

    و فقد الهدى عند الورى لا يفيد من *** غدا عنه بل يجزى بلا و جه حجة

    و حجة محتج بتقدير ربه *** تزيد عذابا كإحتجاج مريضة

    و أما رضانا بالقضاء فإنما *** أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة

    كسقم و فقر ثم ذل و غربة *** و ما كان من مؤذ بدون جريمة

    فأما الأفاعيل التى كرهت لنا *** فلا ترتضى مسخوطة لمشيئة

    وقد قال قوم من أولى العلم لأرضا *** بفعل المعاصي و الذنوب الكبيرة

    وقال فريق نرتضى بقضائه *** ولا نرتضي المقضى أقبح خصلة

    وقال فريق نرتضي بإضافة *** إليه و ما فينا فنلقى بسخطة

    كما أنها للرب خلق و أنها *** لمخلوقة ليست كفعل الغريزة

    فنرضى من الوجه الذي هو خلقه *** ونسخط من و جه إكتساب الخطيئة

    ومعصية العبد المكلف تركه *** لما أمر المولى و إن بمشيئة

    فإن إله الخلق حق مقاله *** بأن العباد فى جحيم و جنة

    كما أنهم فى هذه الدار هكذا *** بل البهم فى الآلام أيضا و نعمة

    وحكمته العليا إقتضت ما إقتضت من *** الفروق بعلم ثم أيد و رحمة

    يسوق أولى التعذيب بالسبب الذي *** يقدره نحو العذاب بعزة

    و يهدي أولى التنعيم نحو نعيمهم *** بأعمال صدق في رجاء و خشية

    وأمر إله الخلق بين ما به يسوق *** أولى التنعيم نحو السعادة

    فمن كان من أهل السعادة أثرت *** أوامره فيه بتيسير صنعة

    ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل *** بأمر و لا نهى بتقدير شقوة

    ولا مخرج للعبد عما به قضى *** ولكنه مختار حسن و سوأة

    فليس بمجبور عديم الإرادة *** و لكنه شاء بخلق الإرادة

    و من أعجب الأشياء خلق مشيئة *** بها صار مختار الهدى بالضلالة

    فقولك هل إختار تركا لحكمة *** كقولك هل إختار ترك المشيئة

    وإختار أن لا إختار فعل ضلالة *** و لو نلت هذا الترك فزت بتوبة

    وذا ممكن لكنه متوقف *** على ما يشاء الله من ذي المشيئة


    _________________


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 16 يوليو 2018 - 12:20