دخول عبد الرحمن الداخل: حفظ الأندلس أم ضيعها

    شاطر
    avatar
    walid
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    ذكر عدد الرسائل : 65
    العمر : 37
    البلد : أرض الاندلس
    الوظيفة : طاعة الرحمن
    المزاج : الحمد لله
    اسم الدولة :
    تاريخ التسجيل : 29/10/2007

    دخول عبد الرحمن الداخل: حفظ الأندلس أم ضيعها

    مُساهمة من طرف walid في الخميس 7 فبراير 2008 - 9:33

    السلام عليكم أخوانى فى الله،
    لقد أعتدت دائما بعد أن أقرأ و أسمع عن الشخصيات التاريخيه- و خصوصا الأسلاميه- منها أن يكون لى موقفا منها . فأما أن أصنفها على أنها شخصيه عظيمه ضحت فى سبيل الله و اعلاء كلمته أو أصنفها على أساس أنها شخصيات أنانيه وضعت مصالحها و شهواتها قبل كل شىء و خانت لله و رسوله والمسلمين.

    و لكن دائما واجهتنى بعض الشخصيات التى حق حيرتنى: أأحبها فى الله أم أبغضها فيه -سبحانه و تعالى- فلها الكثير من المآثر و التضحيه من أجل دين الله، وفى نفس الوقت لها الكثير من المصائب و المواقف المخذله.
    و ممن أحترت فيهم مثلا : الحجاج بن يوسف الثقفى و الخليفه العباسى المأمون و عبد الرحمن الداخل و الحاجب المنصور و المعتمد بن عباد و غيرهم الكثير. و لذلك رأيت - والله سبحانه هو القصد قبل كل شئ - أن أعرض عليكم أخوانى - مثل تلك الشخصيات لعل نقاشنا بخصوصها يوصلنى و يوصل الحائرين أمثالى لرأى نرتاح اليه. و لقد تعرضت مع أخوانى فى موضوع سابق لشخصية المعتمد بن عباد رحمه الله و هذا رابط الموضوع لمن أراد الأطلاع عليه
    http://www.altareekh.com/vb/showthread.php?t=45908. و أعتقد أن مناقشتنا كانت شديدة الرقى و الأفاده و الحمد لله على ذلك.

    وقد رأيت أن أقدم اليوم شخصيه أخرى هى شخصية :"عبد الرحمن الداخل " رحمه الله. و هى شخصيه جد فريده و رائعه و أعتقد أنه يصلح كمثال نتعلم منه الأراده و قوة الشخصيه و الطموح و الشجاعه و الحكمه و عدم اليأس. فقد هرب من العباسيين وحيدا طريدا صغيرا(سمعت أن عمره كان 19عاما)وذبح أخيه امام عينيه و دخل الأندلس وحده لا يملك الا نسبه فقط فنجح فى أن يسيطر عليها و يقضى على الصراعات القبليه البغيضه فى مده قصيره للغايه و نجح -رحمه الله- فى أن يحكم الأندلس 30عاما وورث أولاده من بعده ملكا عضوضا حتى شهد له ألد أعدائه الخليفه أبو جعفر المنصور و سماه صقر قريش.

    ولكن هناك جانب آخر لشخصيه الداخل لم يتنبه اليه الكثيرون على الرغم من خطورته: لقد فصل الداخل الأندلس عن بقيه الأمه و عن دولة الخلافه ، مما أدى فى رأيى الى نتيجتين خطيرتين:
    1. لقد وقفت الأندلس وحيده مفصوله عن بقيه الأمه فى وجه النصارى مما أدى الى ضعفها التدريجى ثم ضياعها بالكامل بعد ذلك.
    2. لقد كانت الأندلس نقطة الأنطلاق لفتح أوروبا بأكملها - وقد كانت تلك هى الخطه الرئيسيه لموسى بن نصير رحمه الله- و لكن بفصلها عن بقية الأمه لم يعد لديها الأمكانات لأن تكمل هذا الغرض العظيم و لاحول ولا قوة الا بالله.

    تخيلوا معى أخوانى ماذا لو بقيت الأندلس تحت سيطرة الخلفاء العباسيين العظام كأبى جعفر المنصور و هارون الرشيد - أى عز للأسلام كان سيؤدى اليه ذلك.

    وفى النهايه أدعوكم أخوتى فى الله الى مشاركتى النقاش. و فيما يلى سيرته موجزه لتساعدنا فى الحكم عليه.
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

    --------------------------------------------------------------------------
    عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (توفي 788) الملقب بصقر قريش. كان أحد الأمراء الأمويين المرشحين للخلافة في عاصمة الدولة الاموية في دمشق ، جده الخليفة هشام بن عبد الملك عاشر الخلفاء الأمويين . هرب من العباسيين عند قيام دولتهم، إلى الأندلس حيث دخلها,وسمي بذلك عبد الرحمان الداخل، وأكمل فترة الخلافة الأموية هناك الدولة الاموية في الاندلس ، حكم من 756-788.


    نشأته
    عبد الرحمن بن معاوية هو حفيدَ هشام بن عبد الملك الذي حكم من سنة 105 هـ= 723 إلى سنة 125 هـ= 743. نشأ عبد الرحمن في بيت الخلافة الأموي بدمشق ، وكان الفاتح الكبير مسلمة بن عبد الملك عم أبيه يرى فيه أهلا للولاية والحكم وموضعًا للنجابة والذكاء، وسمع عبد الرحمن ذلك منه مشافهة، مما أثّر في نفسه أثرًا إيجابياً.

    عندما اقام العباسيون دولتهم على انقاض الدولة الاموية ، كان هدفهم تعقب الامويين والقضاء على افراد البيت الاموي, فقتلوا الأمراء وأبناء الأمراء بل وأحفادهم، وكل من توقعوا أن يكون أهلا للإمارة خشية محاوله احدهم استرداد مجدهم لآسيما في الشام ، لهذا بذلوا الجهود المضنيه لتحقيق هذا الهدف.

    ونجح العباسيون في الفتك بالامويين باستثناء عبدالرحمن بن معاويه بن هشام الذي اختبأ في قريه منعزله قريبة من الفرات في سوريا ، وكان معه ابنه الطفل سليمان وكان عمره وقتها أربع سنوات ، واخ أصغر مع أختين . وعندما اكتشفت الشرطة مكانهم هرب عبدالرحمن مع اخيه الوليد بن معاوية عبر بعض البساتين فلما تعقبتها الشرطة، حاولا عبور النهر فأغراهما الشرطة أن يرجعا ولهما الأمان فرجع أخوه وغرر به وقتله العباسيون، وكان عمرة ثلاث عشر سنة، بينما نجح عبدالرحمن إلى الوصول إلى الضفة الاخرى بسلام ولم تنطلي عليه مكيدتهم ولحق به مولاه بدر طبقا لخطة سابقة.

    الفرار
    بعد ان فر عبد الرحمن بن معاوية من الشام وصل إلى القيروان وعمره تسع عشرة سنة ، وهناك وجد ثورة كبيرة للخوارج في الشمال الأفريقي كلّه وعلى رأسها عبد الرحمن بن حبيب، وكان قد استقلّ بالشمال الإفريقي عن الدولة العباسية، ولأنه كانت هناك كراهية شديدة بين الخوارج والأمويين فقد كان عبد الرحمن بن حبيب يسعى هو الآخر للقضاء على عبد الرحمن بن معاوية حين علم بأمره، فحين قدم عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان اجتمع عليه الخوارج وكادوا أن يقتلوه، فهرب من جديد إلى برقه (في ليبيا)، وظل مختبئًا فيها عند بعض أخواله هناك طيلة أربع سنوات كاملة، حتى سنة 136 هـ= 754 وكان قد بلغ من العمر ثلاث وعشرين سنة.

    كانت الأندلس أصلح البلدان لاستقباله وذلك لأنها أولًا: أبعد الأماكن عن العباسيين والخوارج، ثانيًا: لأن الوضع في الأندلس ملتهب حيث انقسمت الأندلس إلى فرق عديدة متناحرة، وثورات لا نهائية، كلٌّ يريد التملك والتقسيم وفق عنصره وقبيلته .

    دخوله الأندلس
    بدأ عبد الرحمن بن معاوية يعدّ العدة لدخول الأندلس، فعمل على الآتي:

    أولًا: أرسل مولاه بدر إلى الأندلس لدراسة الموقف، ومعرفة القوى المؤثرة في الحكم فيها.

    ثانيًا: راسل كل محبي الدولة الأموية في أرض الأندلس بعد أن علِمَهم من مولاه .

    ثالثًا:راسل عبد الرحمن بن معاوية البربر في الأندلس ، وطلب معونتهم ومساعدتهم، وكانوا في ذلك الوقت على خلاف شديدٍِ جدًا مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ لأنه فرّق بينهم وبين العرب، فهم يريدون أن يتخلّصوا من حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي عاملهم بهذه العنصرية.

    رابعًا: راسل كل الأمويين في كل الأماكن وأنه يعزم على دخول الأندلس ويطلب معونتهم ومددهم.

    وفي ربيع الثاني سنة (138هـ ، 755) عبر عبدالرحمن المضيق وانضم إلى انصاره وزحف إلى اشبيلية واستولى عليها وبايعه اهلها ، ثم نجح في دخول قرطبة العاصمة ، بعد ان هزم جيش يوسف بن عبد الرحمن الفهري في موقعة المصارة في العاشر من ذي الحجة سنة 138هـ.

    توليه الحكم
    بعد موقعة المسارة والسيطرة على منطقة قرطبة والجنوب الأندلسي لُقّب عبد الرحمن بن معاوية بعبد الرحمن الداخل؛ لأنه أول من دخل من بني أمية قرطبة حاكمًا.

    بويع عبدالرحمن بالامارة في قرطبة ، وأعلن نفسه أميراً على الأندلس فوق منبر مسجد قرطبة الجامع ، ولم يكن عبدالرحمن قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره. ولم يشأ عبدالرحمن ان يعلن نفسة خليفة لان فكرة الخلافة عند فقهاء السنة في ذلك الوقت تتقتضي بان خلافة المسلمين واحدة لا تتعدد ، وان الخروج منها عصيان فضلا ان الخليفة هو حامي الحرميين الشريفين ويسيطر على الحجاز ، ولذلك اكتفى عبدالرحمن ان لقب نفسه بابن الخلائفة على اعتبار ان اجدادة من الامويين كانوا خلفاء.

    ومنذ أن تولّى عبد الرحمن الداخل الأمور في بلاد الأندلس عُرفت هذه الفترة بفترة الإمارة الأموية، وتبدأ من سنة 138هـ= 755 وتنتهي سنة 316 هـ= 928 الدولة الاموية في الاندلس.
    صقر قريش
    حاولت الخلافة العباسية أن تضم الأندلس إلى دولتها ولكن عبد الرحمن الداخل وقف لهم وحاربهم وانتصر عليهم وهزمهم شر هزيمة ، حتى لقبه العباسيون أنفسهم بصقر قريش وهو اللقب الذي اشتهر به بعد ذلك، فقد كان أبو جعفر المنصور جالسًا مع أصحابه فسألهم: أتدرون من هو صقر قريش؟ فقالوا له : بالتأكيد هو أنت. فقال لهم: لا.فعدّدوا له أسماء حتى ذكروا له معاوية وعبد الملك بن مروان من بني أمية. فقال أيضا: لا. ثم أجابهم قائلا:" بل هو عبد الرحمن بن معاوية، دخل الأندلس منفردًا بنفسه، مؤيّدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه، يعبر القفر ويركب البحر حتى دخل بلدًا أعجميًا فمصّر الأمصار وجنّد الأجناد، وأقام ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة عزمه".

    avatar
    walid
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    ذكر عدد الرسائل : 65
    العمر : 37
    البلد : أرض الاندلس
    الوظيفة : طاعة الرحمن
    المزاج : الحمد لله
    اسم الدولة :
    تاريخ التسجيل : 29/10/2007

    رد: دخول عبد الرحمن الداخل: حفظ الأندلس أم ضيعها

    مُساهمة من طرف walid في الخميس 7 فبراير 2008 - 9:34

    حكمه للأندلس
    كانت مدة حكمة 33سنة,اهتم فيها بالأمور الداخلية للبلاد اهتمامًا كبيرًا، فعمل على ما يلي:
    الجانب العسكري
    أهتم عبد الرحمن الداخل بإنشاء جيش قوي ، وبرغم قدوم عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل إلى الأندلس وحيدًا، فقد وصل تعداد الجيش الإسلامي في عهده إلى مائة ألف فارس غير الرجّالة.

    كما أنشأ دُورًا للأسلحة، فأنشأ مصانع السيوف ومصانع المنجنيق، وكان من أشهر هذه المصانع مصانع طليطلة ومصانع برديل .

    أنشأ أيضًا أسطولًا بحريًا قويًا، بالإضافة إلى إنشاء أكثر من ميناء كان منها ميناء طرطوشة وألمرية وإشبيلية وبرشلونة وغيرها من الموانئ.

    كان يقسّم ميزانية الدولة السنوية إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفقه بكامله على الجيش، والقسم الثاني لأمور الدولة العامة من مؤنٍ ومعمارٍ ومرتباتٍ ومشاريعَ وغير ذلك، والقسم الثالث كان يدّخره لنوائب الزمان غير المتوقعة.
    الجانب العلمي
    أعطى عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل العلم والجانب الديني المكانة اللائقة بهما، فعمل على نشْر العلم وتوقير العلماء, اهتمّ بالقضاء وبالحسبة, اهتمّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كان من أعظم أعماله في الناحية الدينية بناء مسجد قرطبة الكبير.
    الجانب الحضاري
    ويبرز ذلك في الجوانب التالية: - اهتمامه الكبير بالإنشاء والتعمير، وتشييد الحصون والقلاع والقناطر، وربطه أول الأندلس بآخرها. - إنشائه أول دار لسك النقود الإسلامية في الأندلس. - إنشائه الرصافة، وهي من أكبر الحدائق في الإسلام، وقد أنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، والتي أسسها جده هشام بن عبد الملك,وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من الشام ومن كل بلاد العالم.

    و مما وجدت أيضا عن سيرته:

    أما عبد الرحمن الداخل ، فقصته من أعجب القصص: هو حفيد هشام بن عبد الملك ، الخليفة الأموي. لما قامت الدولة العباسية ، قَتَلت الأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا أنهم من بني أمية ، فكان من المُستهدفين عبدالرحمن بن معاوية (المعروف بالـ"داخل") ، ففر و أهله إلى قريةٍ على نهر الفرات ، و يروي بداية هذه القصة التاريخية العجيبة فيقول: " إني لجالس يوماً في تلك القرية في ظلمة بيت تواريت فيه لرمدٍ كان بي، وابني سليمان بكر ولدي يلعب قدّامي، وهو يومئذٍ ابن أربع سنينٍ أو نحوها، إذ دخل الصبي من باب البيت فازعاً باكياً فأهوى إلى حجري، فجعلت أدفعه إلى ما كان بي ويأبى إلا التعلق، وهو دهشٌ يقول ما يقوله الصبيان عند الفزع، فخرجت لأنظر، فإذا بالروع قد نزل بالقرية، ونظرت فإذا بالرايات السود عليها منحطة، وأخٍ لي حديث السن كان معي يشتد هارباً ويقول لي: النجاء يا أخي، فهذه رايات المسودة، فضربت بيدي على دنانير تناولتها، ونجوت بنفسي والصبي أخي معي، وأعلمت أخواتي بمتوجهي و مكان مقصدي، وأمرتهن أن يلحقنني ومولاي بدر معهن، وخرجت فكمنت في موضع ناء عن القرية، فما كان إلا ساعةً حتى أقبلت الخيل فأحاطت بالدار، فلم تجد أثراً ومضيت ولحقني بدر، فأتيت رجلاً من معارفي بشط الفرات، فأمرته أن يبتاع لي دواب وما يصلح لسفري، فدلّ علي عبد سوء له العامل، فما راعنا إلا جلبة الخيل تحفزنا فاشتددنا في الهرب، فسبقناها إلى الفرات، فرمينا فيه بأنفسنا،والخيل تنادينا من الشط: ارجعا لا بأس عليكما، فسبحت حاثاً لنفسي وكنت أحسن السبح، وسبح الغلام أخي، فلما قطعنا نصف الفرات قصر أخي ودهش، فالتفت إليه لأقوي من قلبه، وإذا هو قد أصغى إليهم وهم يخدعونه عن نفسه، فناديته: تقتل ياأخي، إلي إلي، فلم يسمعني، وإذا هو قد اغتر بأمانهم، وخشي الغرق، فاستعجل الإنقلاب نحوهم، وقطعت أنا الفرات، وبعضهم قد هم بالتجرد للسباحة في أثري، فاستكفه أصحابه عن ذلك، فتركوني، ثم قدموا الصبي أخي الذي صار إليهم بالأمان فضربوا عنقه، ومضوا برأسه وأنا أنظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فاحتملت فيه ثكلاً ملأني مخافةً، ومضيت إلى وجهي أحسب أني طائر وأنا ساعٍ على قدمي، فلجأت إلى غيضةٍ أشبة، فتورايت فيها حتى انقطع الطلب، ثم خرجت أؤم المغرب حتى وصلت إلى إفريقية."

    توالت الأحداث منذ ذاك ، إلى أن دخل عبدالرحمن بن معاوية الأندلس و كبر شأنه فيها ، فمَلَك قرطبة و فتح مُدناً حولها ، و أقام دولةً أموية نافَسَت الدولة العباسية في بغداد ، فسبحان الله ، تحول من طريدٍ يائس إلى ملكٍ عظيم الشأن ، و يصفه المقري نقلاً عن ابن حيان فيقول: "كان عبد الرحمن راجح الحلم، فاسح العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة متصل الحركة، لايخلد إلى راحة، ولايسكن إلى دعة، ولايكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد في إبرامها برأيهن شجاعاً مقداماً، بعيد الغور شديد الحدة قليل الطمأنينة بليغاً مفهوماً شاعراً محسناً سمحاً سخياً طلق اللسان، وكان يلبس البياض ويعتم به ويؤثره، وكان قد أعطي هيبة من وليه وعدوه، وكان يحضر الجنائز،ويصلي عليها، ويصلي بالناس إذا كان حاضراً الجمع والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى، ويكثر مباشرة الناس والمشي بينهم، إلى أن حضر في يوم جنازة فتصدى له في منصرفه عنها رجل متظلم عامي وقاح ذو عارضة فقال له: أصلح الله الأمير، إن قاضيك ظلمني وأنا أستجيرك من الظلم، فقال له: تنصف إن صدقت، فمد الرجل يده إلى عنانه وقال: أيها الأمير أسالك بالله لما برحت من مكانك حتى تأمر قاضيك بإنصافي فإنه معك، فوجم الأمير والتفت إلى من حوله من حشمه، فرآهم قليلاً، ودعا بالقاضي وأمر بإنصافه، فلما عاد إلى قصره كلمه بعض رجاله ممن كان يكره خروجه وابتذاله فيما جرى، فقال له: إن هذا الخروج الكثير- أبقى الله تعالى الأمير- لا يجمل بالسلطان العزيز، وإن عيون العامة تخلق تجلته، ولا تؤمن بوادرهم عليه، فليس الناس كما عهدوا، فترك من يومئذ شهود الجنائز وحضور المحافل، ووكل بذلك ولده هشاماً."

    و كان عبد الرحمن الداخل أفصح الناس ، و ما كان من أبناء و أحفاد مروان أفصح منه ، و مما يُنقَل في ذلك: "مثل بين يديه رجلٌ من جند قنسرين يستجديه فقال له: يا ابن الخلائف الراشدين، والسادة الأكرمين، إليك فررت وبك عذت من زمنٍ ظلومٍ ودهرٍ غشومٍ، قلّل المال وكثر العيال وشعث الحال فصير إلى نداك المآل، وأنت ولي الحمد والمجد والمرجو للرفد، فقال له عبد الرحمن مسرعاً: قد سمعنا مقالتك وقضينا حاجتك، وأمرنا بعونك على دهرك، على كرهنا لسوء مقامك، فلا تعودن ولا سواك لمثله من إراقة ماء وجهك بتصريح المسألة والإلحاف في الطلبة، وإذا ألم بك خطب أو حزبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك، كيما نستر عليك خلتك، ونكف شمات العدو عنك، بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا عز وجهه بإخلاص الدعاء وصدق النية، وأمر له بجائزة حسنة، وخرج الناس يتعجبون منه من حسن منطقه وبراعة أدبه، وكف فيما بعد ذوو الحاجات عن مقابلته بها شفاهاً في مجلسه."

    و لكن رغم الصفات الحسناء أعلاه ، فلم يكن عبد الرحمن الداخل يمتلك حلم معاوية أو لين عثمان ، و قد روي في شأن حزمه و صرامته: "ولما فتح الداخل سرقسطة، وحصل في يده ثائرها الحسين الأنصاري، وشدخت رؤوس وجوهها بالعمد ، وانتهى نصره فيها إلى غاية أمله، أقبل خواصه يهنئونه، فجرى بينهم أحد من لا يؤبه به من الجند، فهنأه بصوت عال، فقال الداخل: والله لولا أن هذا اليوم يوم أسبغ علي فيه النعمة من هو فوقي فأوجب علي ذلك أن أنعم فيه على من هو دوني لأصلينك ما تعرضت له من سوء النكال، من تكون حتى تقبل مهنئاً رافعاً صوتك غير متلجلج ولا متهيب لمكان الإمارة ولا عارف بقيمتها حتى كأنك تخاطب أباك أو أخاك ؟ وإن جهلك ليحملك على العود لمثلها، فلا تجد مثل هذا الشافع في مثلها من عقوبة، فقال : ولعل فتوحات الأمير يقترن اتصالها باتصال جهلي وذنوبي، فتشفع لي متى أتيت بمثل هذه الزلة، لا أعدمنيه الله تعالى، فتهلل وجه الأمير، وقال: ليس هذا باعتذار جاهل، ثم قال: نبهونا على أنفسكم، إذا لم تجدوا من ينبهنا عليها، ورفع مرتبته، وزاد في عطائه."


    avatar
    walid
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    ذكر عدد الرسائل : 65
    العمر : 37
    البلد : أرض الاندلس
    الوظيفة : طاعة الرحمن
    المزاج : الحمد لله
    اسم الدولة :
    تاريخ التسجيل : 29/10/2007

    رد: دخول عبد الرحمن الداخل: حفظ الأندلس أم ضيعها

    مُساهمة من طرف walid في الخميس 7 فبراير 2008 - 9:34

    و مما وجدت أيضا عن سيرته:

    الصقر المحلق

    سأل أبو جعفر المنصور يومًا جلسائه: "أتدرون من هو صقر قريش؟" قالوا: أنت. قال: لا, فعددوا له أسماء مثل معاوية وعبد الملك بن مروان، قال: "لا... بل عبد الرحمن بن معاوية. دخل الأندلس منفردًا بنفسه، مؤيدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه، يعبر القفر، ويركب البحر حتى دخل بلدًا أعجميًا فمصَّر الأمصار، وجند الأجناد وأقام ملكًا بعد انقطاع بحسن تدبيره، وشدة عظمه".

    ولنبدأ معًا قصة ذلك العملاق من أولها لنري جليا كيف تشعل ظروف الفشل فتيل النجاح

    تبدأ تلك القصة الرائعة عندما سيطر العباسيون على زمام الأمور في المشرق، ومضوا يتعقبون الأمويين في كل مكان، حتى أفنوا عددًا كبيرًا منهم، وتفرق من بقي أو كُتب له النجاة في أنحاء البلاد، وأعيت العباسيين الحيلة في طلبهم أو الوصول إليهم، لاستئصالهم وإبادتهم حتى لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك.

    صورة دامية:

    خرج "عبد الرحمن" مع أخ له صغير السن ـ لم يتجاوز الثالثة عشرة ـ وبعض أهله، واتجه إلى رجل من معارفه فطلب منه أن يشتري له عددًا من الدواب، ويهيئ له ما يتزود به في سفره، ولكن بعض عيون العباسيين دلوا عليه، فانطلقوا في إثره، فخرج حتى وصل إلى شاطئ الفرات، فأحاطت به خيول العباسيين، فألقى بنفسه في الماء ومعه أخوه، وانطلقا يسبحان نحو الشاطئ الآخر، وكان الشاطئ بعيدًا، فأخذ عبد الرحمن يسبح بقوة وحماس وكان يجيد السباحة، بينما بلغ أخاه التعب وهو في منتصف النهر، وخشي الغرق، ففترت عزيمته، وخارت قواه، وأراد العودة إلى الشاطئ، وهم يخدعونه وينادونه بالأمان، فراح عبد الرحمن يناديه ويحثه على السباحة، ويحذره من غدر العباسيين وخداعهم، إلا أنه كان قد بلغ من التعب والإجهاد ما جعله يغتر بأمانهم ويؤمل في عهودهم، فرجع إليهم، وما كاد يصل إليهم وتتلقاه أيديهم، حتى أحاطوا به بعد أن تمكنوا منه، وضربوا عنقه أمام أخيه، وهو ينظر إليه، ولا يملك له شيئًا.

    وصل "عبد الرحمن الداخل" إلى إفريقية بعد عناء شديد، وما لبث أن لحق به مولاه "بدر" الرومي ومولاه "سالم"، ومعهما كثير من أمواله التي تركها هناك.

    ولم تكن الأمور في إفريقية بأقل سوءًا مما تركها في المشرق، فقد صار "عبد الرحمن بن حبيب الفهري" ـ والي إفريقية ـ يسوم الأمويين الفارين إلى بلاده قتلاً وذبحًا، يستحل دماءهم وينهب أموالهم، بعد أن كان حليفًا لهم بالأمس القريب.

    عبد الرحمن عند أخواله من البربر:

    ونزل "عبد الرحمن الداخل" على أخواله "بني نقرة " ـ من بربر طرابلس ـ وعندما علم "عبد الرحمن بن حبيب" ذلك أخذ يتحين الفرصة لقتله، ويحتال لاستدراجه، كما فعل بغيره من أبناء عمومته.

    وأدرك "عبد الرحمن الداخل" ما يدبره له؛ فخرج إلى مكناسة، ونزل على قوم من قبيلة زناته البربرية؛ فأحسنوا استقباله وناصروه، ولكن "عبد الرحمن بن حبيب" لم يكف عن طلبه وتتبعه، فهرب إلى "برقة"، وظل مستخفيًا بها مدة طويلة، استطاع خلالها أن يتصل بعدد كبير من قبائل البربر، واستجار ببني رستم ملوك تيهرت، وراح يجمع حوله أشتات الأمويين الذين فروا من اضطهاد العباسيين، وأمراء البيت المرواني الذين نجوا من الذبح.

    الطريق إلى الأندلس:

    وكان "عبد الرحمن الداخل" طوال تلك المدة يراقب الأمور من حوله بوعي وحذر، ويدرس أحوال الأندلس بعناية شديدة ليتحين الفرصة المناسبة للعبور إليها.

    وتجمع حول "عبد الرحمن الداخل" أكثر من ثلاثة آلاف فارس، كلهم يدين له بالولاء، ويوطن نفسه على أن يقتل دونه.وتقدم "عبد الرحمن" نحو "قرطبة" حاضرة الأندلس وعاصمتها.

    ودخل "عبد الرحمن" قرطبة فصلّى بالناس، وخطب فيهم، فكان ذلك بمثابة إعلان ميلاد الدولة الأموية في الأندلس، وبويع له بالخلافة في 10 من ذي الحجة 138هـ ـ 18 من مايو 756م)، ليصبح أول أموي يدخل الأندلس حاكمًا، ويطلق عليه ذلك اللقب الذي عُرف به "عبد الرحمن الداخل"، ومؤسس تلك الدولة الفتية التي أصبحت حضارتها منبعًا لحضارة أوروبا الحديثة، وظلت منارًا للعلم والمدنية عبر قرون طويلة من الزمان.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 16 ديسمبر 2017 - 23:17